السيد كمال الحيدري
254
أصول التفسير والتأويل
والظاهر أنّ مراده من الإيمان والعمل بالمحكم ، والإيمان من غير عمل بالمتشابه ، ما يدلّ عليه لفظ الآية : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا . إلّا أنّ الأمرين أعنى الإيمان والعمل معاً في المحكم ، والإيمان فقط في المتشابه لما كانا وظيفتين لكلّ من آمن بالكتاب ، كان عليه أن يشخّص المحكم والمتشابه قبلًا حتّى يؤدّى وظيفته ، وعلى هذا فلا يكفى معرفة المحكم والمتشابه بهما في تشخيص مصداقهما وهو ظاهر . القول الحادي عشر : إنّ المتشابهات هي آيات الصفات خاصّة أعمّ من صفات الله سبحانه كالعليم والقدير والحكيم والخبير ، وصفات أنبيائه كقوله تعالى في عيسى ابن مريم عليهما السلام : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ( النساء : 171 ) وما يشبه ذلك . ذكره ابن تيمية أيضاً ، قال في التفسير الكبير : « وأمّا إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلّا الله أو اعتقاد أنّ ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله ، كما يقول كلّ واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم ، فإنّهم وإن أصابوا في كثير ممّا يقولونه ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم . . » . « 1 » وفيه : إنّه مع تسليم كون آيات الصفات من المتشابهات ، لا دليل على انحصارها فيها . والذي يظهر من بعض كلامه على طوله ، أنّه يأخذ المحكم والمتشابه بمعناهما اللغوي وهو ما أُحكمت دلالته وما تشابهت احتمالاته ، والمعنيان نسبيّان ، فربما اشتبهت دلالة آية على قوم كالعامّة وعلمها آخرون بالبحث وهم العلماء . وهذا المعنى في آيات الصفات أظهر فإنّها بحيث تشتبه مراداتها لغالب الناس ؛ لكون أفهامهم قاصرة عن الارتقاء إلى ما وراء
--> ( 1 ) التفسير الكبير لابن تيمية ، مصدر سابق .